محمد ابو زهره
635
خاتم النبيين ( ص )
ولعل شوراهم هي التي جعلتهم يواجهون المشركين ، وقد كانوا بمنجاة عن ذلك ، لو أخذوا برأي الرسول ، ولكن الشورى لم تكن سبب الجراح ، إنما عصيان القائد ، والخروج عما رسم من نظام كان هو السبب المباشر ، ولذلك أمره اللّه سبحانه وتعالى أن يستمر في الشورى ، فخطأ الشورى دائما إلى صواب ، لأنه يقوى إرادة الأمة ، وصواب الاستبداد دائما إلى خطأ ، لأنه يضعف إرادة الأمة ، وضعف الإرادة يضعف العزيمة ويفسد النفس ، وذلك في ذاته خطأ . ولقد أخذت الرحمة رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم بالشهداء من الصحابة ، فأمر بأن يدفنوا بدل أن يرسلوا إلى أهليهم ، ومن أخذه أهله رده إلى الموطن الذي استشهد فيه ، وذلك لكيلا تتبعثر أبدانهم الطاهرة ، ولكيلا تثير رؤية ذويهم لهم ألما وحزنا ، ولكيلا يتصايح أهلوهم بالندب والنواح ، فكانت رحمة اللّه تعالى بهم أن يدفنوا حيث هم ، ليعرف الناس فضلهم ، ولقد كان رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم من بعد يزور مصارعهم ، وسلك ذلك أبو بكر ، ثم عمر ، ثم عثمان ، رضى اللّه تعالى عنهم جميعا ، وعلى كان يكرم ذرية أهل بدر وأهل أحد ، فيزيد في الصلاة عليهم تكبيرات في صلاة جنازتهم . ولقد كان رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم يدفن الشهداء ، ويجمع في القبر أكثر من واحد ، ويختار من كانوا ذوى صحبة بينهم ، فيدفنهم في قبر واحد ، وكان يقدم في الدفن الأقرأ فالأقرأ ، وكلهم شهداء ذوو فضل عظيم ومقام كريم في الإسلام . وقد كان عليه الصلاة والسلام لا يمنع أن يبكى أهل الشهيد من بكاء عليه حزنا ، وإن كان قد فاز بالشهادة ، وكان يقول عليه الصلاة والسلام : « البكاء من الرحمن والصراخ من الشيطان » . وكان يبكى بكاء شديدا على عمه حمزة أسد اللّه تعالى ، حتى إنه رأى نساء الأنصار يبكين قتلاهم فقال صلى اللّه تعالى عليه وسلم حزينا باكيا ، « وحمزة . . . لا بواكى لحمزة » . ومن رحمته عليه الصلاة والسلام بأهل الميت أنه منع السيدة العظيمة عمته صفية من أن ترى أخاها حمزة مقتولا ، وقد عبثت العابثات من نساء المشركين بجثمانه الطاهر ، ومثلوا به . قال ابن إسحاق : قد أقبلت صفية بنت عبد المطلب لتنظر إليه ( حمزة ) وكان أخاها لأبيها وأمها ، فقال رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم للزبير : الحقها فأرجعها ، لا ترى ما بأخيها ، فقال لها الزبير ، ارجعي يا أمه ، إن رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم يأمرك أن ترجعي . قالت : ولم وقد بلغني أنه قد مثل بأخي ، وذلك من اللّه فما أرضانا بما كان من ذلك ، لأحتسبن ولأصبرن إن شاء اللّه ، فلما جاء الزبير إلى رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم وأخبره بذلك قال : خل سبيلها ، فأتته فنظرت إليه واسترجعت واستغفرت .